القاضي التنوخي
395
الفرج بعد الشدة
قال : فصنعت فيهما لحنا ، ثقيل أوّل ، مطلق في مجرى الوسطى ، ثمّ غنّيته إيّاه ، فأغمي عليه ، حتى ظننته قد مات . ثم أفاق ، فقال : أعد فديتك . قلت : أخشى أن تموت . فقال : هيهات ، هيهات ، أنا أشقى من ذلك ، فأعد عليّ . وما زال يخضع ويتضرّع ، حتى أعدته ، فصعق صعقة أشدّ من الأولى ، حتى ظننت نفسه قد فاظت ، فلمّا أفاق ، رددت عليه الدنانير . وقلت له : خذ دنانيرك ، وانصرف عنّي ، فقد قضيت حاجتك ، وبلغت وطرا مما أردته ، ولست أحبّ أن أشارك في دمك . فقال : لا حاجة لي في الدنانير ، وهذه مثلها لك ، وأخرج ثلاثمائة دينار أخرى . وقال : أعد عليّ الصوت مرّة أخرى ، وحلال لك دمي . فقلت : لا واللّه ، إلّا على شرط . قال : وما هو ؟ قلت : تقيم عندي ، وتتحرّم بطعامي وتشرب أقداحا من النبيذ تشدّ قلبك ، وتسكّن بعض ما بك ، وتحدّثني بقصّتك . فقال : أفعل . فأخذت الدنانير ، ودعوت بطعام ، فأصاب منه ، وبالنبيذ ، فشرب أقداحا ، وغنيّته بشعر غيره في معناه ، وهو يشرب ويبكي . ثم قال : الشرط ، أعزّك اللّه ، فغنّيته صوته ، فجعل يبكي أحرّ بكاء ، وينتحب . فلمّا رأيت ما به قد خفّ عمّا كان يلحقه ، والنبيذ قد شدّ من قوّته ، كررت عليه صوته مرارا ، ثم [ 323 غ ] قلت له : حدّثني حديثك .